الشيخ عبد الغني النابلسي

186

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

مقامهم المشهور ، وتنعّمنا بما لديهم من البهجة والنور ودعونا اللّه تعالى بما تيسّر من الدّعاء لنا وللجمهور ، ثم مررنا على تكية « 1 » الخاصكية المشهورة في تلك الديار القدسيّة ، فوجدناها مملوءة بأنواع الخيرات وأجناس المبرّات ، طاحونها دائرة ، وهي على نقطتها دائرة ، وأنواع مخازنها عامرة وصدقاتها للجميع غامرة ، حتى وقفنا على بيت الرجاء ، ورأينا الخيل تديرها ، وقد تقيّد بها أجيرها ، فدلّنا ذلك الأجير على مكان هناك له باب ، فدخلنا منه إلى قبّة مبنيّة بالأحجار المنحوتة ، ذات جوانب وأعتاب ، وفي داخلها قبر عليه هيبة وجلالة ، فسألنا عن صاحب هذا القبر ، وإن كان ميتا لا يجيب سؤاله ، فقيل لنا هذا قبر المجاهد الشيخ سعد الدين الرصافي ، صاحب المنهل الصافي ، والمشرب الوافي رحمه اللّه تعالى ، فوقفنا هناك وقرأنا الفاتحة ودعونا اللّه تعالى بما تيسّر من الدعاء ، ثم ذهبنا إلى الجهة المقصودة والحفرة المشهودة إلى دار صديقنا الإمام والحبر الهمام ، الشيخ أحمد العلمي لعيادة ولده السّعيد ونجله الفريد المتقدم ذكره في أثناء هذا العقد النّضيد ، حتى دخلنا إلى داره وحللنا بحماه الرحب وجواره ، وتفرّجنا في هاتيك الكتب اللطيفة ، الجامعة لأنواع العلوم الشريفة ، ثم قدّم لنا الضيافة الوافية ، جعل اللّه تعالى ولده على أكمل حال وأتمّ عافية ، ثم عدنا إلى مكاننا بالسّلطانية المباركة ، وأوسعنا على الهنا والسرور طرقه ومسالكه ، ثم جلسنا للدرس في الرسالة الأرسلانية مع الإخوان ذوي الهمم العليّة ، على عادتنا المرضية ، إلى أن بتنا في أكمل مسرّة ، ونحن من الصّحة والعافية على أرفع أسرّة ، حتى أسفر الصّبح ، وانغسل ببياض مائه / عن وجه الليل سواد القبح .

--> ( 1 ) اسمها : تكية خاصكي سلطان أنشأتها زوجة السلطان سليمان المدعوة خاصكي سلطان سنة 959 ه ووقفت عليها أوقافا كثيرة ، انظر وصفها وحالتها الحاضرة في كنوز القدس / 364 ، وأول كتاب « آثارنا في بيت المقدس » وفيه أوسع دراسة عنها على الإطلاق .